ابن قيم الجوزية
495
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
منزلة الصدق ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الصدق » وهي منزلة القوم الأعظم . الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين ، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين ، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان ، وسكان الجنان من أهل النيران ، وهو سيف اللّه في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه . من صال به لم ترد صولته ، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته ، فهو روح الأعمال ، ومحكّ الأحوال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال ، وهو أساس بناء الدين ، وعمود فسطاط اليقين ، ودرجته تالية لدرجة « النبوة » التي هي أرفع درجات العالمين ، ومن مساكنهم في الجنات : تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين . كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين . وقد أمر اللّه سبحانه أهل الإيمان : أن يكونوا مع الصادقين . وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين . فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) [ التّوبة : 119 ] وقال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النّساء : 69 ] فهم الرفيق الأعلى وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النّساء : 69 ] ولا يزال اللّه يمدّهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا . ولهم مرتبة المعية مع اللّه . فإن اللّه مع الصادقين ، ولهم منزلة القرب منه . إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين . وأخبر تعالى أن من صدّقه فهو خير له . فقال : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [ محمّد : 21 ] . وأخبر تعالى عن أهل البرّ . وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم : من الإيمان ، والإسلام ، والصدقة ، والصبر . بأنهم أهل الصدق فقال : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 177 ] وهذا صريح في أن « الصدق » بالأعمال الظاهرة والباطنة . وأن « الصدق » هو مقام الإسلام والإيمان . وقسم اللّه سبحانه الناس إلى صادق ومنافق . فقال : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ الأحزاب : 24 ] . والإيمان أساسه الصدق ، والنفاق أساسه الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر . وأخبر سبحانه : أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ المائدة : 119 ] وقال تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) [ الزّمر : 33 ] فالذي جاء بالصدق : هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله . فالصدق : في هذه الثلاثة .